أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
152
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ « 1 » لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا « 2 » إلا بتأويل بعيد جدا ، إذ ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول آية ، ولا أنه علّق تكرير نزول ملك رسول على تقدير كون ملائكة في الأرض . وفي قوله : « نزّلنا » التفات من الغيبة إلى التكلّم لأنّ قبله : « اعْبُدُوا رَبَّكُمُ » ، فلو جاء الكلام عليه لقيل : مّما نزّل على عبده ، ولكنه التفت للتفخيم ، و « على عبدنا » متعلّق بنزّلنا ، وعدّي ب « على » لإفادتها الاستعلاء ، كأنّ المنزّل تمكّن من المنزول عليه ولبسه ، ولهذا جاء أكثر القرآن بالتعدّي بها ، دون « إلى » ، فإنها تفيد الانتهاء والوصول فقط ، والإضافة في « عبدنا » تفيد التشريف كقوله : 272 - يا قوم قلبي عند زهراء * يعرفه السامع والرائي « 3 » لا تدعني إلّا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائي وقرئ « 4 » : « عبادنا » ، فقيل : المراد النبيّ عليه السّلام وأمته ، لأنّ جدوى المنزّل حاصل لهم . وقيل : المراد بهم جميع الأنبياء عليهم السّلام . قوله تعالى : « فَأْتُوا » جواب الشرط ، والفاء هنا واجبة لأنّ ما بعدها لا يصحّ أن يكون شرطا بنفسه ، وأصل فأتوا : اإتيوا مثل : اضربوا فالهمزة الأولى همزة وصل أتي بها للابتداء بالساكن ، والثانية فاء الكلمة ، اجتمع همزتان ، وجب قلب ثانيهما ياء على حدّ « إيمان » وبابه ، واستثقلت الضمة على الياء التي هي لام الكلمة فقدّرت ، فسكنت الياء وبعدها واو الضمير ساكنة فحذفت الياء لالتقاء الساكنين ، وضمّت التاء للتجانس فوزن ايتوا : افعوا ، وهذه الهمزة إنما يحتاج إليها ابتداء ، أمّا في الدّرج فإنه يستغنى عنها وتعود الهمزة التي هي فاء الكلمة لأنها إنما قلبت ياء للكسر الذي كان قبلها ، وقد زال نحو : « فأتوا » وبابه وقد تحذف الهمزة التي هي فاء الكلمة في الأمر كقوله : 273 - فإن نحن لم ننهض لكم فنبرّكم * فتونا فعادونا إذا بالجرائم « 5 » يريد : فأتونا كقوله : فأتوا . وبسورة متعلق ب « أتوا » . قوله تعالى : مِنْ مِثْلِهِ في الهاء ثلاثة أقوال : أحدها : أنها تعود على ما نزّلنا ، فيكون من مثله صفة لسورة ، ويتعلّق بمحذوف على ما تقرّر ، أي : بسورة كائنة من مثل المنزّل في فصاحته وإخباره بالغيوب وغير ذلك ، ويكون معنى « من » التبعيض ، وأجاز ابن عطية والمهدوي أن تكون للبيان ، وأجازا هما وأبو البقاء أن تكون زائدة ، ولا تجيء إلا على قول الأخفش . الثاني : أنها تعود على « عبدنا » فيتعلّق « من مثله » بأتوا ، ويكون معنى « من » ابتداء الغاية ، ويجوز على هذا الوجه أيضا أن تكون صفة لسورة ، أي : بسورة كائنة من رجل مثل عبدنا . الثالث : قال أبو البقاء : « إنها تعود على الأنداد بلفظ المفرد كقوله : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ، نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ « 6 » قلت : ولا حاجة تدعو إلى ذلك ، والمعنى يأباه أيضا » .
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 37 ) . ( 2 ) سورة الإسراء ، آية ( 95 ) . ( 3 ) البيتان من شواهد البحر ( 1 / 104 ) ، القرطبي ( 1 / 161 ) ، روح المعاني ( 1 / 193 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 104 ) . ( 5 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 101 ) ، وانظر ضرائر الشعر ص ( 100 ) . ( 6 ) سورة النحل ، آية ( 66 ) .